قراءة رواية رسائل ما بعد الموت كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية رسائل ما بعد الموت
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة رحاب قابيل
الفصل الثاني
تم النشر الإثنين
لم تنم ليلى تلك الليلة إلا دقائق متقطعة، كانت كلما أغمضت عينيها رأت وجه سليم، لا كما رأته في المرة الأخيرة، بل كما كان دائمًا؛ يبتسم، يرفع حاجبه عندما تغضب، ويقول لها: "اهدي بس يا ليلى، الدنيا أبسط من كده."
لكن الدنيا لم تكن بسيطة.
لم تعد كذلك منذ مات.
استيقظت قبل شروق الشمس بقليل، جلست على السرير وهي تشعر بثقل غريب في صدرها، كأن اليوم يحمل شيئًا سيئًا ينتظرها. مدّت يدها إلى الهاتف فورًا، قبل أن تقوم، قبل أن تشرب الماء، قبل أي شيء. نظرت إلى الشاشة، لا رسائل جديدة، لا تسجيلات، لا شيء.
تنفست ببطء، لكنها لم تشعر بالراحة.
قامت من السرير، سارت إلى المطبخ، أعدّت قهوتها، وجلست على الطاولة الصغيرة بجوار النافذة. الشارع في الأسفل بدأ يستيقظ؛ بائع الخبز، صوت ميكروباص، امرأة تنادي طفلها، كل شيء طبيعي جدًا، بشكل مستفز.
– إزاي الدنيا ماشية عادي كده؟ – قالت لنفسها.
– إزاي الناس بتصحى وتشتغل وتضحك… وأنا حياتي كلها اتقلبت؟
وضعت المفكرة أمامها على الطاولة، تلك المفكرة التي تركها سليم وكأنها خريطة لكنز، أو خريطة لمصيبة، لم تكن تعرف بعد.
فتحت الصفحة الأولى مرة أخرى، رغم أنها قرأتها أكثر من مرة، لكن هذه المرة كانت تقرأ بتركيز، ببطء، كأنها تبحث بين الحروف عن رسالة مخفية.
أسماء.
أرقام.
تواريخ.
أماكن.
وعلامات غريبة بجوار بعض الأسماء.
دائرة.
نجمة.
خطين تحت الاسم.
وعلامة استفهام.
– يعني إيه كل ده يا سليم؟ – همست وهي تقلب الصفحات.
– كنت داخل في إيه؟
توقفت عند اسم تكرر أكثر من مرة:
مروان
كان اسمه موجودًا ثلاث مرات، مرة بجواره دائرة، ومرة نجمة، ومرة بدون أي علامة.
– يعني إيه؟ – قالت وهي تعقد حاجبيها.
– هو مروان تبعهم ولا تبعك ولا إيه بالظبط؟
وضعت القلم على الاسم، وظلت تنظر إليه طويلًا، ثم أغلقت المفكرة فجأة.
– لا… مش هعرف لوحدي… لازم أروح المكتب.
❈-❈-❈
كان مكتب سليم في عمارة قديمة في وسط البلد، عمارة من تلك التي لها سلالم رخامية واسعة، وبواب عجوز يعرف كل من يدخل ويخرج. عندما وصلت ليلى، نظر إليها البواب طويلًا، ثم قال:
– البقاء لله يا بنتي… الله يرحمه، كان راجل محترم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة:
– ونعم بالله… شكرًا.
– إنتي جاية المكتب؟ محدش فتح من يوم ما حصل الحادثة.
– أيوه، معايا المفتاح.
هز رأسه ولم يسأل أكثر، لكنها شعرت أنه يريد أن يقول شيئًا ثم تراجع.
صعدت السلم ببطء، كل درجة كانت تعيد لها ذكرى، مرة جاءت له بالطعام، مرة تشاجر معها لأنه يعمل كثيرًا، مرة فاجأته بكيكة في عيد ميلاده.
وقفت أمام باب المكتب، أخرجت المفتاح، لكن يدها توقفت قبل أن تفتحه.
شعرت فجأة بالخوف.
ليس خوفًا من المكان، بل خوفًا مما قد تجده.
– افتحي يا ليلى… – قالت لنفسها.
– إنتي مش جاية لحد هنا علشان ترجعي.
فتحت الباب ودخلت.
❈-❈-❈
المكتب كان كما هو، لم يتغير شيء.
رائحة سليم ما زالت في المكان، رائحة قهوته، عطره الخفيف، الورق، كل شيء جعله يبدو وكأنه سيعود بعد قليل.
جلست على كرسيه ببطء، ومررت يدها على سطح المكتب.
– كنت قاعد هنا… وبتكتب… وبتخطط… وأنا ولا أعرف أي حاجة.
فتحت الأدراج، بدأت تفتش بهدوء، ملفات، فواتير، أوراق عادية، لا شيء مهم.
ثم فتحت الدرج الأخير، كان مغلقًا بمفتاح صغير، نفس المفتاح الذي وجدته في المفكرة.
تجمدت لحظة، ثم أدخلت المفتاح وفتحته.
داخل الدرج كان هناك ظرف بني كبير، وعليه مكتوب بخط سليم:
"ليلى – لو حصل لي حاجة"
شعرت أن قلبها سقط داخل صدرها.
فتحت الظرف بيد مرتعشة، وأخرجت الأوراق.
صور.
مستندات.
نسخ بطاقات.
وأسماء مكتوبة بخط اليد.
كانت تشعر أنها دخلت عالمًا آخر، عالمًا لم يكن له أي علاقة بحياتها العادية.
فجأة، سقطت صورة من بين الأوراق على الأرض.
انحنت لتلتقطها، ثم نظرت إليها…
واتسعت عيناها.
– لا… مش ممكن…
كانت الصورة لسليم…
وسليم يقف بجوار مروان…
وبجوارهما رجل آخر لا تعرفه.
لكن الثلاثة كانوا يقفون أمام مخزن كبير، وعلى الباب رقم:
17
تذكرت فورًا الجملة في المفكرة:
"لو حصل لي حاجة… المكان ده هيقول كل حاجة."
– مخزن 17… – همست.
– يبقى المكان ده حقيقي.
❈-❈-❈
كانت ليلى خارجة من المكتب وعقلها مشغول بشيء واحد فقط:
مخزن 17
لكن السؤال الأهم كان:
مروان كان مع سليم ليه؟
وليه سليم قال متثقيش في حد حتى أقرب الناس؟
هل مروان كان يساعده؟
ولا كان بيراقبه؟
ولا كان واحد منهم؟
نزلت السلم بسرعة، خرجت إلى الشارع، أخرجت هاتفها، وفتحت رقم مروان.
ظلت تنظر إليه طويلًا قبل أن تتصل.
– لو هو متورط؟
– ولو هو بريء؟
– ولو أنا بكلمه وأنا مش فاهمة حاجة؟
لكنها ضغطت اتصال في النهاية.
رن الهاتف مرتين، ثم رد.
– ألو؟
صوته كان عاديًا جدًا، طبيعيًا جدًا، وهذا ما جعلها تتوتر أكثر.
– مروان… أنا ليلى.
– ليلى؟ إزيك؟ عاملة إيه؟
– عايزة أقابلك… ضروري.
سكت لحظة، ثم قال:
– في حاجة؟
– آه… في.
– طيب نتقابل فين؟
– أي حتة قريبة من المكتب.
– تمام… نص ساعة وأكون هناك.
أغلقت الهاتف، لكنها لم تشعر بالراحة، بل شعرت أنها دخلت لعبة أكبر منها.
❈-❈-❈
جلست ليلى في كافيه صغير قريب من المكتب، اختارت طاولة في زاوية بعيدة، كانت تراقب الباب وكل من يدخل.
كانت تشعر أن كل شخص ينظر إليها يعرف سرًا لا تعرفه.
بعد عشرين دقيقة، دخل مروان.
كان كما هو، نفس الهدوء، نفس النظرة الثابتة، لكن هذه المرة شعرت أنه غريب، كأنه شخص تراه لأول مرة.
اقترب من الطاولة وجلس.
– خير يا ليلى؟ صوتك كان قلقان.
نظرت إليه مباشرة وقالت:
– إنت كنت بتشتغل مع سليم في إيه؟
تفاجأ بالسؤال، لكنه لم يرد فورًا.
– ليه السؤال ده دلوقتي؟
أخرجت الصورة من حقيبتها ووضعتها أمامه.
نظر إلى الصورة…
وتغير وجهه فورًا.
– إنتي لقيتي الصورة دي فين؟
– في مكتب سليم… في درج مقفول… بالمفتاح اللي في المفكرة.
سكت مروان طويلًا، ثم تنهد.
– يبقى سليم كان عارف إنك هتعرفي.
– أعرف إيه؟ – قالت بعصبية.
– هو كان داخل في إيه؟ وإنت علاقتك إيه بالموضوع؟
نظر حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعهم، ثم قال بصوت منخفض:
– سليم ما ماتش حادثة يا ليلى.
شعرت أن الأرض اهتزت تحتها.
– إيه؟!
– سليم كان بيتتبع ناس… ناس كبيرة… ناس بتغسل فلوس… وبتستغل مخازن وشركات وهمية.
– ومروان؟ – قالت وهي تنظر إليه بحدة.
– إنت كنت إيه في القصة دي؟
– كنت بساعده.
– أصدقك ليه؟
نظر إليها مباشرة وقال:
– علشان لو ما صدقتيش… هتموتي.
تجمدت في مكانها.
– إنت بتهددني؟
– لا… بحذرك… زي ما هو كان بيحذرك.
❈-❈-❈
في تلك اللحظة، اهتز هاتف ليلى.
نظرت إلى الشاشة.
رسالة من الرقم المجهول.
فتحتها.
"قولتلك متثقيش في أي حد…
حتى اللي قاعد قدامك دلوقتي."
رفعت عينيها ببطء نحو مروان، وهو كان ينظر إلى هاتفها.
– مين اللي بيبعتلك؟ – سألها.
لم ترد.
لكنها أدركت في تلك اللحظة شيئًا واحدًا فقط:
أنها لا تعرف من العدو… ومن الصديق…
وأنها دخلت طريقًا لن تستطيع الخروج منه بسهولة.
يتبع...